مواضيع مختارة

اضطراب ما بعد الصدمة

1

الصدمات تحدث لكل إنسان في حياتة, وفي إعتقادي أن أعظم صدمة تحدث لنا كبشر هي صدمة فقدان الأب. فعندها ليس هنالك خط رجعه وبفقد الأب فإنك تفقد جزء كبير من الأمان الحقيقي في هذه الحياة.
دعونا نتعرف ماهية الصدمة؟ فالصدمة هي أي تجربة تحقق الشرطين التاليين:

1- خطر جسدي قد يؤدي إلى اصابة أو الموت، مرافق بالإحساس بفقدان السيطرة على الجسد.

2- إستجابة للحادث تتضمن شعور بالخوف الشديد و العجز أو حالة من الضعف.

 

سبق أن ذكرت في مقال عائلة فاشلة بعض تأثيرات الصدمة وكيف كانت ستؤدي لخسارة العائلة جميع ثرواتها, لذلك في إعتقادي أن الوصف الحقيقي للصدمة يكون أدق إذا استقينا التعريف من أعظم وأشرف وأصدق كتاب وهو كتاب الله القرآن الكريم.

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156 ) )

( ولنبلونكم ) أي ولنختبرنكم يا أمة محمد واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء من الله لإظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئا لم يكن عالما به

( بشيء من الخوف ) قال ابن عباس يعني خوف العدو

( والجوع ) يعني القحط

( ونقص من الأموال ) بالخسران والهلاك

( والأنفس ) يعني بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب

( والثمرات ) يعني الجوائح في الثمار وحكي عن الشافعي أنه قال الخوف خوف الله تعالى والجوع صيام رمضان ونقص من الأموال أداء الزكاة والصدقات والأنفس الأمراض والثمرات موت الأولاد لأن ولد الرجل ثمرة قلبه

( وبشر الصابرين ) على البلايا والرزايا ثم وصفهم فقال

( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ) عبيدا وملكا

( وإنا إليه راجعون ) في الآخرة

اضطراب ما بعد الصدمة او (PTSD” Post Traumatic Stress Disorder” ) هو اضطراب نفسي ناتج عن تعرض الاشخاص بشكل مباشر او غير مباشر لأزمة او صدمة معينة مثل الكوارث الطبيعية, الحروب, .. الخ

وإن PTSD هو مرض حقيقي و المصابين به لديهم معاناة جدية مع هذا المرض.

– سابقاً إبّان الحرب العالمية الثانية كان يسمى هذا الاضطراب ب صدمة القصف او صدمة القذائف “Shell Shock” و فيما بعد تمت تسميته باضطراب ما بعد الصدمة .. لأنه لا ينحصر فقط بالاشخاص الذين خاضوا حروباً انما كل شخص تعرض لصدمة في حياته و قد يحدث للنساء و الرجال على حدّ سواء و لا تهم جنسية او عرق او لون المصاب لأن الجميع معرضين لذلك.

بعد مرور فترة طويلة من انتهاء الصدمة, يراود المصابين بهذا الاضطراب نفس الشعور القوي و المزعج المرتبط بالصدمة التي عاشوها. يعيشون الحالة مرة اخرة عن طريق الاحلام او ومضات من ذاكرتهم. و قد يعانون من الحزن الشديد, الخوف, الغضب, وقد يشعرون بأنهم منفصلين او غرباء عن الاشخاص من حولهم و قد يتهربون او يبتعدون عن اي احداث او اشخاص يرتبطون بالحادث الذي تعرضوا له سابقاً.

اعراض اضطراب ما بعد الصدمة PTSD: لقد تم تحديد اربع فئات من الاعراض سنقوم بذكرها بإيجاز:

1- أعراض عيش التجربة: مثل الذكريات الغير المرغوبة و المتكررة بشكل لا إرادي: أحلام و كوابيس مزعجة, او تخيلات من الصدمة الذي تعرض لها المصاب, هذه التخيلات قد تكون واضحة جداً لدرجة ان يتوهم المصاب بأنها احداث حقيقية تتكرر فعلاً و كأنه يراها امام عينيه مجدداً.

2- اعراض التجنب و التهرب من الاشياء المرتبطة بالحادث: قد يشمل تجنب الاشخاص, الأماكن, النشاطات , او الحالات التي تعيد ذكريات مزعجة. المصابين قد يتجنبون هذه الذكريات بعدم الحديث او عدم التعبير عن شعورهم تجاه ذلك الحادث.

3- الافكار والمشاعر السلبية: ( يتطلب ظهور عرضين على الاقل من هذه الاعراض) يظهر لدى المصاب بشكل متكرر و متسمر بعض الافكار السلبية عن أنفسهم او عن الآخرين (على سبيل المثال “انا شخص سيء” او ” انا لا أثق بأي شخص آخر”)
أو يمر أيضا بحالات خوف شديد, غضب, شعور بالذنب, خجل أو يبتعد الشخص عن الاخرين من حوله .

4- اعراض الاستثارة و ردات الفعل: قد يظهر باشكال عدة, كأن يتصرف المصاب بشكل مزعج و عصبي, السلوك المتهور او التدمير الذاتي, ردود فعل مفاجئة و مبالغ بها, اضطرابات في التركيز او النوم .
إت الكثيربن ممن تعرضوا لحادث أو صدمة معينة تظهر عندهم بعض من هذه الاعراض المذكورة بعد ايام من الحادث نفسه, ولكن في اضطراب ما بعد الصدمة هذه الاعراض ان تستمر بعد شهور او حتى سنوات من الحادث.
و يرتبط هذا الاضطراب باضطرابات نفسية اخرى مثل الاكتئاب, ازمات القلق, الادمان (بأنواعه المختلفة), اضطرابات في الذاكرة, و حتى بعض الاضطرابات الجسدية الاخرى.

العلاج:
ليس كل من تعرض لصدمة سيتعرض لاضطراب ما بعد الصدمة, و لايحتاج كل من لديه هذا الاضطراب الى العلاج. عند بعض الاشخاص هذه الاعراض ستزول مع مرور الوقت, والبعض الآخر سيحصل على نتائج افضل من خلال مساعدة عائلته و اصدقاءه له. ولكن الكثير من الاشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب يحتاجون معالجة من اشخاص مختصين بهذا المجال لكي يتجاوزوا هذه المعيقات النفسية التي قد تؤثر على حياتهم و حياة الآخرين من حولهم.
الاطباء النفسيين و الاشخاص المختصين بالعلاج النفسي يتبّعون عدة طرق (مدروسة و مثبتة علمياً) لمساعدة هؤلاء الاشخاص, بالامكان مساعدتهم عن طريق العلاج النفسي و بعض الادوية ايضاً.

سنتكلم هنا عن بعض طرق العلاج النفسي:

– العلاج المعرفي: تقوم هذه الطريقة بالتركيز على الافكار المؤلمة و تحديدها (الخجل , الشعور بالذنب .. الخ) و على الاعتقادات (“لقد فشلت في حياتي” , “العالم مكان خطير جداً “) تبعاً لنوع و درجة الصدمة يقوم المعالجون بمواجهة هذه الذكريات المزعجة و العواطف المؤلمة .

– العلاج بالتعرض: و يكون ذلك بتكرار التخيلات والذكريات عن تفاصيل الصدمة وتحفيزها ضمن وسط أمن و مسيطر عليه لمساعدة المريض بالتحكم على الخوف و الضيق الذي يعانيه. على سبيل المثال: برامج الواقع الافتراضي والتي تُستخدم للمحاربين القدامى بجعلهم يعيدون تجربة المعركة, ولكن المعركة ستكون موجهة بطريقة علاجية و مدروسة وضمن بيئة آمنة.

– العلاج النفسي العائلي: قد يكون هذا النوع من العلاج مفيداً لكي يتم ضبط تصرفات افراد العائلة تجاه الشخص المصاب بالاضطراب, لأن بعض تلك التصرفات تؤثر بشكل سلبي وعن غير قصد على هذا الشخص, و بالتالي ردة فعل هذا الشخص ستؤثر على العائلة بأكملها .

– العلاج النفسي الجماعي: يساعد الناجين من الصدمات المشابهة على مشاركة خبراتهم و افكارهم و مشاعرهم. اعضاء هذه المجموعات يساعدون بعضهم البعض بأن يدركوا بأن اي شخص آخر لو كان مكانهم لكان قد تصرف بشكل مشابه وسيشعرون بنفس الشعور و بالتالي الذنب لم يكن ذنبهم وحدهم بهذه التصرفات خلال او بعد الصدمة. الكثير ممن يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة يجدون مشاركة مشاعرهم و افكارهم و الصعوبات التي تواجههم اسهل مع الاشخاص الذين عانوا من حالات مشابهة , ولذلك العلاج الجماعي قد يكون فعالا جداً و مفيداً لهم و للآخرين.

وأخيراً العلاج الحقيقي:

لكل من تعرض لصدمة وصفة لنا رب العالمين في الآية السابقة بقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156 ) )
فلكل من فقد تجارة او فقد حبيب أو أُبتلي بمرض عضوي فعليه الرجوع لهذه الآية الكريمة

 

تعليق اضطراب ما بعد الصدمة

  1. شكراً يادكتور لربط هذا الموضوع النفسي بالقرآن الكريم. استمتعت بالحديث معك ووصفك الدقيق للصدمة وأنها تفقدنا التركيز والقدرة على إتخاذ القرارات الصحيحة. خصوصاً عندما ذكرت بعض الأمثلة من الحروب او في حالات الحروق حيث أن اي انسان يفقد القدرة واحيانا الحركة وعلى قولتك تجيه (ام الركب). فعند حدوث حريق في بيت أي شخص تجده لا يستطيع الخروج من باب الغرفة. لانه في حال صدمة ولا يستطيع إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. فلذلك أغلب الوفيات التي نراها في أقسام الطوارئ بعد حوادث الحريق تكون اختناقاً وليس حرقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *