مواضيع مختارة

رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم

0

نشأتها :
ولدت رقية بعد أختها زينب فكانت قرة عين لوالديها الكريمين
و ما لبثت أن جاءت بعدها أم كلثوم، فنشأتا سويا، متلاصقتين متعاطفتين، و لقد اشتد تقاربهما و انسجامهما خصوصا بعد أن فارقتهما زينب كبراهن إلى منزل الزوجية، فكانتا أشد وثوقا و خلوصا إلى بعضهما، وكأن القدر يرسم لهما في مستقبل الأيام مصيرا واحدا بداية و نهاية
و في كتب السيرة ما يشهد على هذا التلازم الغريب العجيب، إذ أجمعت كل الروايات التاريخية على وحدة الحال التي كانت قائمة بين الأختين رقية و أم كلثوم
ذات الهجرتين

زواجها :
بعد أن زوجت زينب إلى ابي العاص ابن الربيع، و قد قاربت سن رقية و أم كلثوم من الزواج، جاء أبو طالب عم النبي صلى الله عليه و سلم خاطبا لهما إلى ابني أخيه عبد العزى بن عبد المطلب- ابي لهب- فقال أبو طالب :
جئناك نخطب ابنتينا رقية و أم كلثوم وما أراك تضِنّ بهما على ابني عمك.. عتبة و عتيبة إبنا العم عبد العزى

فأجاب رسول الله صلى الله عليه و سلم: ”
معاذ القرابة و الرحم، ولكن هلا أمهلتني يا عم حتى أتحدث في هذا إلى بيتي ”
فعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم الأمر على أهل بيته زوجته خديجة و ابنته صاحبة الشأن .
سكتت خديجة رضي الله عنها قليلا في فترة تأمل، فهي تعرف حق المعرفة أم جميل زوجة أبي لهب، و تعرف قسوة قلبها، و شراسة طبعها و حدة لسانها، فأشفقت على ابنتيها أن تسلمهما إلى هذا الجو المشحون بالحقد و الكراهية و الخلق السيء
و لكنها خافت إن هي نطقت برأيها أن تغضب زوجها، فيظن أنها تريد أن تمزق أواصر القربى بينه و بين أهله، فسكتت كما سكتت الفتاتان حياء، و أغضتا عن الجواب رقة و خجلا

النبوة :
لاح في سماء مكة قبس من نور أضاءها و بدد ظلمتها، إذ أظلتها بعثة رسول الله صلى الله عليه و سلم هداية و نورا،
فتذكرت خديجة رضي الله عنها ابنتيها رقية و أم كلثوم و ما سيؤول إليه أمرهما بين يدي أم جميل الظالمة، و زوجها المطواع لها
فاجتمعت قريش لتحارب رسول الله بشتى الوسائل و أئتمرت برسول الله و قال قائلها : إنكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فأشغلوه بهن …

و رد ابو لهب زواج ابنيه من بنتي رسول الله صلى الله عليه و سلم قائلا لولديه :

” رأسي من رأسيكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد .. “
فيعاني البيت النبوي من اضطهاد قريش من أقرب أقربائه و من أذية الرسول صلى الله عليه و سلم
و خاب فأل قريش وظنها، فلم يعنت رسول الله صلى الله عليه و سلم من جراء رد ابنتيه إليه، إذ عوضه الله تعالى خيرا من الزوجين الأولين، عوضه زوجا صالحا كريما عزيزاـ عريق النسب، واسع الثروة، لطيف الخلق ، دمث الطباع، ذلكم هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس، وكان رضي الله عنه من أعز فتيان قريش حسبا و جاها و غنى
و زوجه صلى الله عليه و سلم من رقية و بارك لهما و فيهما و عليهما

الهجرة :
قال ابن سعد : هاجرت معه، أي عثمان، إلى الحبشة، الهجرتين جميعا قال صلى الله عليه و سلم : إنهما لأول من هاجر إلى الله بعد لوط ” (1)

1.الهجرة إلى الحبشة :

لقد ضم ركب مهاجري الحبشة إحدى عشرة امرأة، إضافة إلى الصحابة الكرام ممن هاجروا للحبشة
و كان من بينهم : عثمان بن عفان مع زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم

يقول أنس بن مالك رضي الله عنه :
خرج عثمان بن عفان و مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه و سلم خبرهما، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد، قد رأيت ختنك –صهرك- و معه امرأته “، قال:
” على أي حال رأيتهما ؟ “، قالت : رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدابة الضعيفة التي تدب في المشي – يسوقها

فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
” صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام “(2)
كانت الهجرة إلى الحبشة الفرار إلى الله بدينهم و مخافة الفتنة، لما يتعرض له المسلمون بمكة من تعذيب و تنكيل، فقد حققت جزءا من التحول و الانطلاق، حيث وجدوا أرضا آمنة مطمئنة استقروا بها موفوري الكرامة يتمتعون بحرية العمل و العبادة، تحت حماية ملكها النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد رافضا إغراءات و هدايا قريش لتسليم المسلمين لها
(1) ذكر الحافظ في ” الاصابة ” (12/258) بلفظ : ” والذي نفسي بيده إنه أول من هاجر بعد ابراهيم و لوط ” و نسبه لابن منده، و قال : سنده واه
(2) ذكره الإمام الذهبي مختصرا ” سير أعلام النبلاء “

2.الهجرة للمدينة :

فتعود رقية برفقة عثمان بن عفان من الحبشة بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، إلى مكة طمعا في تغيير الأوضاع و لكنهم فوجئوا بازدياد طغيان قريش و عنتها، فكانت رقية أكثر العائدين حزنا لأنها دخلت دار أبيها مسلٍّمة مشتاقة، فقبلت أخواتها، وبلهفة سألت عن الأم العظيمة، فسكتن و لم يجبن، وكانت دموعهن أبلغ جواب، لقد لحقت بالرفيق الأعلى فبكت رقية و نشجت، ثم صبرت على قضاء الله و قدره
فلم تطل المقام بمكة، فتهاجر برفقة زوجها عثمان بن عفان للمدينة مع من هاجر إليها فرارا بدينهم و أيضا للبحث عن وطن للإسلام، بعد أن كان طوال ثلاثة عشرعاما دينا بلا وطن و شعبا بلا دولة
فلذلك كانت الهجرة الثانية للمدينة مرحلة هامة من مراحل الدعوة التي كانت بدايتها السرية ثم العلن و الجهر بالدعوة و بعدها البحث عن موطن حقيقي تنطلق منه الدعوة بعد تأسيس ركائز و دعائم الدولة الإسلامية و من تم توسيع دائرة الدعوة لنشر الإسلام

أولادها:
ولدت رقية من عثمان بن عفان عبد الله و به يكنى، و بلغ ست سنين ،فنقره ديك في وجهه، فطمر وجهه فمات

وفاتها رضي الله عنها :
تلقى رقية ربها بعد أن مرضت بالحمى قبيل بدر، فخلف النبي صلى الله عليه و سلم عليها عثمان ليمرضها، فتوفيت و المسلمون ببدر
و دخل النبي صلى الله عليه و سلم بيت عثمان و قد هزه نبأ وفاة رقية رضي الله عنها و تقدم منها يودعها و قد ظهر الأسى في عينيه و الحزن في سيماه، و انثنى بلطف ورقة على فاطمة التي كانت قد أكَبَّت على مضجع أختها رقية تبكيها، فرفعها بتؤدة و لين، و مسح دموعها بطرف ثوبه (1)
عند ئذ علا نشيج النسوة الحاضرات، فأراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يمنعهن بسوطه، فأمسك رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده و قال له: مهما يكن من العين و القلب فمن الله والرحمة، و مهما يكن من اليد و اللسان فمن الشيطان .
و صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم على ابنته رضي الله عنها، و شيعها حتى واراها الثرى الطيب في البقيع الطاهر
رضي الله عنها و أرضاها بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات الهجرتين، و زوجة ذي النورين و جزاها عن إيمانها و جهادها و بلائها أحسن الجزاء و أوفاه
(1) ذكره ابن عبد البر في ” الاستيعاب” (4/400 -401) ، و الاصابة (8/83-84)
** ترجم لها ابن سعد في ” طبقاته” (8/36) ، وابن عبد البر في ” الاستيعاب ” (4/398) ، و ابن الأثير في ” أسد الغابة ” (5/285 -286) ترجمة (6930) ، و ابن حجر في ” الإصابة” (8/83) ترجمة (428)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *